عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

543

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

أصلين ، ربما يتكون من جزئين ينفصلان من الأصلين ، كتولد الحيوان من أبيه وأمه بالمني الَّذِي ينفصل منهما ، وكالنار المتولدة من بين الزندين ، سواء كانا خشبين أو حجرين أو حجرًا وحديدًا . وهو سبحانه صمد ، لا يخرج منه شيء منفصل عنه . والحيوان نوعان : متوالد وهو ما ولده من جنسه ، وهو الإنسان وما يخلق من أبوين من البهائم والطير وغيرهما . ومتولد : وهو ما يخلق من غير جنسه كدود الفاكهة والخل ، وكالقمل المتولد من الوسخ ، والفأر والبراغيث وغير ذلك مما يخلق من التراب والماء ، وإنما يتولد من أصلين أيضاً كما خلق آدم من تراب وماء . وإلا فالتراب المحض الذي لم يختلط به ماء لا يخلق منه شيء لا حيوان ولا نبات ، والنات جميعه إِنَّمَا يتولد من أصلين أيضًا . والمسيح - عليه السلام - خلق من مريم ونفخة جبريل ، وهي حملت به كما تحمل النساء وولدته ، فلهذا يقال له : ابن مريم ، بخلاف حواء ، فإنها خُلقت من ضلع آدم فلا يقال إنه أبوها ، ولا هي ولده . وكذلك سائر المتولدات من غيرهما . كما أن آدم لا يقال إنه ولد التراب ولا الطين ، والمتولد من جنسه أكمل من المتولد من غير جنسه ، ولهذا كان خلق آدم أعجب من خلق أولاده . فَإِذَا نزه الرب عن المادة العلق ، وهي التولد من النظير ، فتنزه به عن تولده من غير نظير أولى ، كما أن تنزيهه عن الكفء تنزيه له عن أن يكون غيره أفضل منه بطريق الأولى . فتبين أن ما يقال إنَّه متولد من غيره من الأعيان القائمة بنفسها ، لا يكون إلا من مادة تخرج من ذلك الوالد ، ولا تكون إلا من أصلين ، والرب تعالى صمد ؛ فيمتنع أن يخرج منه شيء ، وهو سبحانه لم يكن له صاحبة ، فيمتنع أن يكون له ولد .